تعيش ولاية الشلف أزمة مياه حادة منذ أكثر من عشرين يومًا، خلّفت معاناة حقيقية لدى السكان الذين باتوا يعانون يوميًا في البحث عن قطرة ماء. الأزمة التي تفاقمت في الأيام الأخيرة طالت 32 بلدية كانت تتزود من محطة تحلية مياه البحر بماينيس في دائرة تنس، والتي توقفت عن الإنتاج بشكل مفاجئ، لتُضاف إلى سلسلة الانقطاعات المتكررة التي أنهكت المواطنين.
في محاولة لاحتواء الوضع، نزل والي الشلف إبراهيم غميرد بمعية رئيس المجلس الشعبي الولائي إلى عين المكان، حيث زار محطة تحلية مياه البحر بمنطقة ماينيس-تنس للوقوف على وضعية المحطة وسط الظروف الجوية الصعبة التي تشهدها المنطقة. الزيارة الميدانية جاءت في وقت حرج، حيث بات المواطنون في حالة استياء شديد من تكرار الأزمة وطول أمدها.

الارتفاع المتكرر للمواد العالقة يُوقف الإنتاج
أعلنت الجزائرية للمياه – وحدة الشلف رسميًا عن اضطراب وانقطاع مؤقت في التزويد بالمياه الصالحة للشرب عبر البلديات المموّنة من محطة تحلية مياه البحر بماينيس-تنس. السبب الرئيسي وراء هذا التوقف، حسب المؤسسة، هو الارتفاع المتكرر في نسبة المواد العالقة في مياه البحر، مما أدى إلى توقف الإنتاج منذ الساعات الأولى من صباح أمس.
وأكدت المؤسسة أن عملية التوزيع سيتم استئنافها تدريجيًا فور عودة الإنتاج إلى طبيعته، لكن دون تحديد موعد دقيق لذلك، وهو ما زاد من قلق المواطنين الذين سئموا الوعود المتكررة دون تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع. وفي الوقت نفسه، تتواصل عملية التموين عبر شاحنات الصهاريج بإشراف مباشر من والي الولاية وبالتنسيق مع خلية الأزمة، وذلك لضمان الحد الأدنى من الخدمة للمواطنين.
توقف محطة سيدي يعقوب يُضاعف حدّة الأزمة
لم تقتصر الأزمة على توقف محطة تحلية ماينيس فحسب، بل امتدت لتشمل محطة معالجة سد سيدي يعقوب التي توقفت هي الأخرى بشكل مؤقت بسبب ارتفاع نسبة عكورة المياه. هذا التوقف المزدوج ضاعف من حدة الأزمة وجعل الوضع أكثر تعقيدًا، حيث فقدت الولاية مصدرين رئيسيين للمياه الصالحة للشرب في آن واحد.
وفي محاولة للتعامل مع هذا الوضع الاستثنائي، أشارت الجزائرية للمياه إلى اتخاذ إجراءات استعجالية وتشكيل لجنة يقظة لمتابعة الوضعية عن كثب والعمل على إيجاد حلول سريعة. غير أن هذه الإجراءات لم تُخفف من معاناة المواطنين الذين يعيشون أيامًا صعبة في ظل غياب أبسط مقومات الحياة.
معاناة يومية في البحث عن الماء
تحولت حياة سكان الشلف إلى جحيم حقيقي منذ بداية الأزمة، حيث بات البحث عن الماء هاجسًا يوميًا يستنزف طاقتهم ووقتهم. يستيقظ المواطنون في ساعات مبكرة من الصباح أملًا في الحصول على حصتهم من شاحنات الصهاريج التي تجوب الأحياء، لكن الكميات المحدودة والطلب المتزايد يخلقان مشاهد من الفوضى والتزاحم.
العائلات باتت تضطر لتقنين استهلاكها بشكل صارم، حيث تُخصص كميات محدودة للشرب والطبخ، بينما تتأجل عمليات النظافة والغسيل إلى أجل غير مسمى. النساء وكبار السن والأطفال هم الأكثر تضررًا من هذه الأزمة، فالانتظار الطويل تحت أشعة الشمس أو في البرد القارس لملء بعض القوارير أصبح مشهدًا يوميًا في شوارع وأحياء الولاية.
المؤسسات التعليمية والصحية لم تسلم بدورها من تداعيات هذه الأزمة، حيث تعاني المدارس والمستشفيات من نقص حاد في المياه، مما يهدد الظروف الصحية والنظافة العامة. تلاميذ المدارس يشتكون من عدم توفر المياه في دورات المياه، بينما تواجه المستشفيات صعوبات جمة في الحفاظ على المعايير الصحية الأساسية.
الارتفاع الجنوني لأسعار صهاريج المياه: الطين بلة
ومما زاد الطين بلة، الارتفاع الجنوني والمبالغ فيه لأسعار صهاريج المياه التي قفزت بشكل غير مسبوق لتصل إلى حدود 4000 دينار جزائري للصهريج الواحد. هذا الارتفاع الفاحش يُشكل عبئًا ثقيلًا على العائلات محدودة الدخل التي باتت عاجزة عن تحمل هذه التكاليف الباهظة، خاصة وأن الحاجة إلى المياه أصبحت شبه يومية في ظل استمرار الأزمة.
المواطنون يتهمون أصحاب الصهاريج باستغلال الأزمة وحاجة الناس الماسة للمياه من أجل مضاعفة أرباحهم على حساب معاناة السكان. ورغم المطالبات المتكررة بتدخل السلطات المحلية لضبط الأسعار ومعاقبة المستغلين، إلا أن الوضع لم يتحسن، بل ازداد سوءًا مع مرور الأيام.
العائلات الفقيرة والمعوزة هي الأكثر تضررًا من هذا الغلاء الفاحش، حيث باتت غير قادرة على شراء المياه بهذه الأسعار المبالغ فيها، مما اضطر البعض منهم إلى الاستدانة أو الاعتماد على المساعدات الخيرية من الجيران والأقارب. الوضع المعيشي الصعب الذي يعاني منه المواطنون أصلًا بسبب الغلاء العام لم يعد يحتمل مثل هذه الأعباء الإضافية.
غضب شعبي واستياء عارم من تكرار الأزمات
الشارع الشلفي يعيش حالة من الغضب والاستياء الشديد من تكرار أزمات المياه وعدم وجود حلول جذرية ودائمة لهذه المشكلة المزمنة. المواطنون يتساءلون عن جدوى الاستثمارات الضخمة في محطات التحلية إذا كانت تتعطل بهذه السهولة عند أي تغير في الظروف الجوية أو البحرية. كما يطالبون بمحاسبة المسؤولين عن هذا التقصير وإيجاد بدائل استراتيجية تضمن التزويد المستمر بالمياه.
كما أن المطالب تتركز على تسريع عملية إصلاح المحطات المتوقفة، توفير كميات كافية من المياه عبر الصهاريج بأسعار معقولة، ومعاقبة المستغلين الذين يتاجرون بحاجات المواطنين الأساسية.
خلية الأزمة: جهود ميدانية في مواجهة التحديات
رغم الانتقادات الواسعة، تواصل خلية الأزمة المشكلة على مستوى الولاية جهودها لاحتواء الوضع وتقديم الحد الأدنى من الخدمة للمواطنين. العشرات من شاحنات الصهاريج تجوب البلديات المتضررة يوميًا في محاولة لتلبية الطلب المتزايد على المياه، لكن هذه الجهود تبقى قطرة في بحر الاحتياجات الفعلية للسكان.
السلطات المحلية تؤكد أنها تبذل قصارى جهدها لتجاوز هذه الأزمة وتعمل على إيجاد حلول تقنية للمشاكل التي تواجه محطات التحلية والمعالجة. لكن المواطنين يريدون أفعالًا ملموسة ونتائج سريعة، لا مجرد وعود وتطمينات لم تعد تقنعهم بعد عشرين يومًا من المعاناة المتواصلة.
الوضع في الشلف يتطلب تدخلًا عاجلًا وحلولًا جذرية تضمن عدم تكرار مثل هذه الأزمات مستقبلًا، فالماء حق أساسي من حقوق الإنسان لا يمكن المساومة عليه أو التهاون في توفيره للمواطنين.

