احتضنت قاعة السينما بمدينة تنس صباح يوم السبت الموافق للثالث عشر من شهر ديسمبر 2025 لقاءً ثقافياً تاريخياً استثنائياً نظمته الجمعية الثقافية “مداد” بالتنسيق الوثيق مع مديرية الثقافة والفنون لولاية الشلف، وذلك بمناسبة الذكرى التاريخية الخالدة لانتفاضة الحادي عشر من ديسمبر 1960، تلك الانتفاضة الشعبية العارمة التي شكلت منعطفاً حاسماً في مسار الثورة التحريرية المباركة وأثبتت للعالم أجمع أن الشعب الجزائري بكافة شرائحه وأطيافه كان موحداً وراء جبهة التحرير الوطني ومصمماً على نيل الاستقلال مهما كان الثمن. هذا اللقاء الذي انطلقت فعالياته في تمام الساعة العاشرة صباحاً، شهد حضوراً جماهيرياً كثيفاً من مختلف الفئات العمرية والثقافية، مما يعكس الاهتمام الكبير الذي لا يزال الجزائريون يولونه لتاريخهم النضالي المجيد وحرصهم على نقل ذاكرة الثورة إلى الأجيال الصاعدة التي لم تعش تلك الحقبة المفصلية من تاريخ الوطن.
شكل تقديم رواية “La 4ième Pelure” للكاتب خالد علي الواحد المحور الرئيسي لهذا اللقاء الثقافي الثري، حيث قدم الكاتب عرضاً شاملاً لعمله الروائي التاريخي الذي يسلط الضوء على حقبة مهمة من تاريخ الثورة الجزائرية (مساهمة طلاب الثانويات في حرب التحرير) من خلال سرد روائي مشوق يمزج بين الحقائق التاريخية الموثقة والبعد الإنساني للأحداث التي عاشها الشعب الجزائري تحت نير الاستعمار الفرنسي. الكاتب استطاع من خلال حديثه الشيق أن يأخذ الحضور في رحلة عبر الزمن إلى تلك الفترة العصيبة التي اتسمت بالمقاومة الباسلة والتضحيات الجسام التي قدمها الشعب الجزائري في سبيل الحرية والكرامة، مؤكداً أن الأدب والرواية التاريخية يلعبان دوراً محورياً في حفظ الذاكرة الوطنية ونقلها إلى الأجيال الجديدة بطريقة حية ومؤثرة تجعلهم يعيشون الأحداث وكأنهم شهود عيان عليها.

أضفت الكاتبة الناشئة بلقايد أماني، الغنية عن التعريف في الوسط الثقافي المحلي، لمسة شبابية متميزة على اللقاء من خلال مداخلتها القيمة التي تناولت فيها أهمية الكتابة التاريخية ودور الأقلام الشابة في إعادة إحياء الذاكرة الجماعية للأمة وتقريب التاريخ من الأجيال الحديثة بلغة عصرية ورؤية متجددة. مداخلة بلقايد أماني، التي اتسمت بالعمق الفكري والوعي التاريخي الناضج رغم صغر سنها، نالت استحسان الحاضرين وأثارت نقاشاً ثرياً حول سبل الحفاظ على الذاكرة الوطنية في عصر العولمة والتحولات الثقافية السريعة. كما أكدت الكاتبة الشابة على ضرورة تشجيع الأجيال الصاعدة على الاهتمام بالتاريخ الوطني والكتابة عنه بأساليب معاصرة تجذب القارئ الشاب وتجعله يشعر بالفخر والاعتزاز بماضيه المجيد.
في لحظة شعرية راقية نقلت الحضور إلى أجواء وجدانية عميقة، قدم الشاعر مقران رشيد باقة من أروع قصائده الوطنية التي تغنى فيها بأمجاد الثورة الجزائرية وبطولات الشهداء الأبرار الذين سقوا بدمائهم الزكية شجرة الحرية. الإلقاء الشعري الرائع للشاعر مقران رشيد، الذي يمتلك حساً فنياً مرهفاً وقدرة استثنائية على نقل المشاعر عبر الكلمات، نال إعجاب الحضور وخلق أجواءً روحانية مؤثرة داخل قاعة السينما، حيث تفاعل الجمهور بشكل كبير مع الأبيات الشعرية التي استحضرت صور النضال والتضحية والفداء. هذه اللمسة الفنية الراقية أضفت على اللقاء بعداً جمالياً وإنسانياً عميقاً، وأكدت أن الشعر يبقى دائماً أحد أهم وسائل التعبير عن المشاعر الوطنية والقيم النبيلة التي ناضل من أجلها الأجداد.
كما حرص رئيس جمعية مداد الثقافية على تكريم ذكرى المجاهد الراحل علواش عبد الله رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، من خلال إعادة التذكير بالشهادة القيمة التي أدلى بها هذا البطل خلال لقاء مماثل نُظم في العام الماضي بنفس المناسبة، حيث كانت كلماته بمثابة وصية نفيسة للأجيال الصاعدة بضرورة الحفاظ على مكاسب الثورة وعدم التفريط في السيادة الوطنية التي دُفع ثمنها غالياً.
في الختام، عرف هذا اللقاء الثقافي التاريخي نجاحاً باهراً بشهادة كل الحاضرين، حيث حقق أهدافه المرجوة في إحياء ذكرى انتفاضة الحادي عشر من ديسمبر 1960 وتقريب هذا الحدث التاريخي المجيد من الأجيال الجديدة بطريقة تفاعلية حية تجمع بين البعد الثقافي والفني والتاريخي. التفاعل الإيجابي الكبير من طرف الحضور، الذي تابع فقرات البرنامج بانتباه شديد وشارك في النقاشات بحماس ووعي، يؤكد أن الذاكرة الوطنية لا تزال حية في وجدان الجزائريين وأن الاهتمام بالتاريخ النضالي للوطن يتجاوز الجانب الرسمي ليصبح هماً جماعياً يشترك فيه المجتمع المدني والمثقفون والفنانون.
مع التأكيد على أن مثل هذه المبادرات الثقافية النوعية يجب أن تتواصل وتتكرر على مدار السنة لضمان بقاء الذاكرة الوطنية حية متقدة في قلوب وعقول الأجيال المتعاقبة.

