في خطوة تاريخية تعكس توجه الدولة نحو تعزيز اللامركزية وتحقيق التنمية المتوازنة، صادق أعضاء مجلس الأمة بالإجماع على مشروع القانون المعدل والمتمم للقانون رقم 84-09 المتعلق بالتنظيم الإقليمي للبلاد. وجاء في كلمة السيد رباح محمد، رئيس اللجنة القانونية بمجلس الأمة، الإعلان عن قائمة الدوائر المرتقب ترقيتها إلى ولايات منتدبة، حيث تصدر اسم دائرة تنس هذه القائمة، مما يبشر بعهد جديد من التطور والازدهار لهذه المدينة الساحلية العريقة.
يأتي هذا القرار تتويجاً لمطالب طويلة من سكان المنطقة والفاعلين المحليين الذين طالما نادوا بضرورة منح تنس مكانتها الإدارية التي تليق بها. فالترقية إلى ولاية منتدبة تعني منح المدينة استقلالية إدارية ومالية أكبر، وتمكينها من إدارة شؤونها المحلية بشكل أكثر فعالية ومرونة، مما سيسرع من وتيرة التنمية ويحسن من جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
تنس: مدينة بمقومات استثنائية تؤهلها للترقية
تتمتع مدينة تنس بمقومات طبيعية وتاريخية وبشرية تجعلها جديرة بهذه الترقية الإدارية. فمن الناحية الجغرافية، تحتل تنس موقعاً استراتيجياً على الساحل الجزائري، مما يمنحها أهمية بحرية وتجارية كبيرة. كما تتوفر المدينة على شريط ساحلي خلاب يمتد على مسافات طويلة، مما يجعلها وجهة سياحية واعدة يمكن أن تساهم بشكل كبير في تنويع الاقتصاد الوطني.
أما من الناحية التاريخية، فتنس تعد واحدة من أعرق المدن الجزائرية، حيث تضم معالم أثرية وتاريخية تعود لحقب مختلفة، بما في ذلك الفترة الإسلامية والعثمانية. هذا التراث الثقافي الغني يشكل رصيداً حضارياً يمكن استثماره في تطوير السياحة الثقافية وتعزيز الهوية المحلية.
كما تتميز المنطقة بإمكانيات فلاحية هامة، حيث تنتشر فيها الأراضي الزراعية الخصبة التي تنتج مختلف المحاصيل، مما يجعلها قطباً فلاحياً يمكن تطويره ليساهم في تحقيق الأمن الغذائي الوطني. إضافة إلى ذلك، تتوفر تنس على موارد بشرية مؤهلة وشباب طموح يتطلع إلى فرص عمل وتنمية محلية تحقق تطلعاته.
آفاق التنمية المنتظرة بعد الترقية
من المنتظر أن تفتح الترقية إلى ولاية منتدبة آفاقاً واسعة للتنمية في مختلف القطاعات. ففي المجال الإداري، ستتمكن تنس من الحصول على هياكل إدارية خاصة بها، مما سيقرب الإدارة من المواطن ويسهل عليه قضاء حوائجه دون الحاجة للتنقل إلى مقر الولاية الأم. كما سيسمح هذا التنظيم الجديد بتسريع عملية اتخاذ القرارات وتنفيذ المشاريع التنموية بشكل أكثر كفاءة.
على المستوى الاقتصادي، ستستفيد المنطقة من مخصصات مالية خاصة تمكنها من إطلاق مشاريع استثمارية في مختلف المجالات، بما في ذلك البنية التحتية، السياحة، الفلاحة، والصناعة. كما أن تحسين المناخ الاستثماري سيشجع المستثمرين المحليين والوطنيين على ضخ أموالهم في المنطقة، مما سيخلق فرص عمل جديدة ويحد من ظاهرة البطالة.
في الجانب الاجتماعي، ستتحسن الخدمات العمومية المقدمة للمواطنين، سواء في مجال الصحة، التعليم، أو الخدمات الاجتماعية الأخرى. كما سيتم تعزيز البنية التحتية الأساسية كالطرقات، الكهرباء، والماء الصالح للشرب، مما سيرفع من مستوى معيشة السكان ويحقق العدالة الاجتماعية والجغرافية التي تسعى الدولة لتحقيقها.
استحقاق تاريخي وتطلع مستقبلي
إن ترقية تنس إلى ولاية منتدبة ليست مجرد قرار إداري، بل هي استحقاق تاريخي لمدينة ساهمت عبر العصور في بناء الحضارة الجزائرية. هذا القرار يعكس إرادة الدولة في تحقيق التوازن الجهوي وإنصاف المناطق التي ظلت لسنوات طويلة تعاني من التهميش وضعف التنمية.
سكان تنس والمناطق المجاورة يترقبون بفارغ الصبر صدور النصوص التطبيقية لهذا القانون وتجسيده على أرض الواقع. فالآمال معقودة على أن تشكل هذه الترقية نقطة تحول حقيقية في مسار المنطقة، وأن تصبح تنس نموذجاً للتنمية المحلية المستدامة التي تحترم الخصوصيات الثقافية وتستثمر في الإمكانيات المتاحة لتحقيق الرفاهية والازدهار لجميع المواطنين.

