“القلتة” كما عشتها… مُقومات تستحق الإشادة ونقائص تنتظر المعالجة

لطالما كانت السياحة بالنسبة إليّ أكثر من مجرد رحلة لقضاء العطلة، بل هي نافذة لاكتشاف الجزائر عن قرب، والوقوف على ما تزخر به مناطقها من مقومات طبيعية وإنسانية، وما تعانيه في المقابل من نقائص يمكن تجاوزها بالإرادة والعمل. وعلى مدار سنوات، زرت عددًا من ولايات الوطن، وكانت كل رحلة تحمل تجربة مختلفة، تضيف إلى رصيدي من الذكريات والانطباعات.

أما في ولاية الشلف، فقد استوقفتني كثيرًا القلتة، وهي منطقة ساحلية تابعة لبلدية المرسى، أصبحت خلال السنوات الأخيرة من أبرز الوجهات التي يقصدها المصطافون، خاصة من داخل ولاية الشلف والولايات المجاورة. وما شدّ انتباهي فيها ليس فقط جمالها الطبيعي، بل أيضًا الحركية السياحية المتزايدة التي تعرفها عامًا بعد آخر، وهو ما يؤكد أنها تمتلك مؤهلات حقيقية تجعلها وجهة واعدة تستحق مزيدًا من الاهتمام والعناية.

ومن خلال حديثي مع عدد من سكان المنطقة، علمت أن الإقبال السياحي بدأ يعرف منحى تصاعديًا منذ فترة جائحة كورونا، حين وجد كثير من المصطافين في شواطئ القلتة متنفسًا بعيدًا عن الاكتظاظ و”الرقابة” الذي كانت تعرفه بعض الشواطئ الأخرى آنذاك. ومع مرور السنوات، تحولت المنطقة إلى وجهة يقصدها مئات الزوار، خاصة من ولاية الشلف والولايات المجاورة، حتى أصبحت الحركة السياحية فيها واحدة من أبرز ملامح موسم الاصطياف.

وخلال إقامة دامت قرابة أسبوع، حرصت على أن أعيش تفاصيل المكان كسائح لا كمجرد زائر عابر، فخرجت بجملة من الملاحظات التي رأيت من الواجب مشاركتها. فكما أن الإنصاف يقتضي الإشادة بما هو إيجابي، فإنه يفرض أيضًا الإشارة إلى ما يحتاج إلى معالجة، لأن النقد البناء لا يقل أهمية عن الثناء، خاصة عندما يكون الهدف هو المساهمة في تطوير السياحة المحلية.

وأول ما شد انتباهي هو روعة الشواطئ التي تتميز بها المنطقة، فهي شواطئ جميلة ذات طبيعة خلابة، تجعل الزائر يشعر بأنه في واحدة من أجمل الوجهات الساحلية بولاية الشلف. وتمثل هذه الشواطئ، في تقديري، أهم ركيزة يمكن البناء عليها لتطوير السياحة بالمنطقة واستقطاب أعداد أكبر من الزوار.

كما أعجبتني حالة الأمن والطمأنينة التي تنعم بها القلتة، وهي من أهم العوامل التي يبحث عنها أي سائح. فقد لاحظت استمرار الحركة إلى ساعات متأخرة من الليل، مع حضور كثيف للعائلات التي تتجول في أجواء من الراحة والسكينة، وهو ما يعكس استقرارًا يبعث على الارتياح ويشجع على تكرار الزيارة.

ومن بين نقاط القوة أيضًا الموقع الجغرافي المتميز للقلتة، فهي لا تمثل وجهة سياحية في حد ذاتها فحسب، بل تشكل نقطة انطلاق نحو عدد كبير من الشواطئ الساحرة التابعة لولاية الشلف، وحتى الشواطئ الواقعة بولاية مستغانم، وهو ما يمنح الزائر فرصة لاكتشاف أكثر من منطقة خلال فترة قصيرة.

ولفت انتباهي كذلك النشاط التجاري الذي تعرفه الأسواق الشعبية بمركز المنطقة، حيث تعرض مختلف السلع، من الملابس والأجهزة الإلكترونية ولوازم السباحة، سواء الجديدة منها أو المستعملة. والأجمل أن هذه الأسواق تبقى نابضة بالحياة إلى ساعات متأخرة من الليل، وتبلغ ذروة نشاطها خلال عطلة نهاية الأسبوع، بما يضفي على المنطقة حيوية خاصة خلال موسم الاصطياف.

ومن الجوانب التي تستحق كل الإشادة أيضًا المسجد الجميل الذي يتوسط المنطقة، حيث يلمس زائره منذ الوهلة الأولى حجم العناية التي يحظى بها من قبل القائمين عليه، سواء من حيث النظافة أو حسن التنظيم. كما أن المدرسة القرآنية المجاورة، التي تستقطب عشرات الطلبة، خاصة خلال العطل، تعكس اهتمامًا محمودًا بالجانب التربوي والديني.

وسجلت كذلك مبادرة جميلة داخل مرافق الوضوء بالمسجد، تمثلت في تخصيص صندوق للتبرعات خاص بشراء مواد التنظيف، وهي فكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل رسالة حضارية كبيرة، وأتمنى أن ترى طريقها إلى كثير من مساجدنا.

هذه بعض الجوانب المشرقة التي خرجت بها من هذه التجربة، وهي تؤكد أن القلتة تمتلك بالفعل مقومات سياحية واعدة. غير أن الحفاظ على هذا الزخم وتطويره يقتضي أيضًا التوقف عند بعض النقائص التي لا يمكن تجاهلها، لأن أي وجهة سياحية لا تكتمل إلا بتحسين خدماتها، وتطوير مرافقها، والارتقاء بجودة ما تقدمه لزوارها. وفي الجزء الثاني، سأتناول أبرز هذه الملاحظات من واقع تجربة شخصية، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن النقد الموضوعي هو أحد أهم وسائل الإصلاح والتطوير.هذا الجزء أصبح أكثر انسجامًا مع المعلومة الجديدة التي تؤكد أن القلتة منطقة ساحلية تابعة لبلدية المرسى، دون أي مقارنة قد تُفهم على غير المقصود.

وبقدر ما خرجت بانطباعات إيجابية عن القلتة، فإن الأمانة تقتضي أيضًا الحديث عن بعض النقائص التي لاحظتها خلال فترة إقامتي، ليس من باب الانتقاد أو التقليل من قيمة المنطقة، وإنما من باب الحرص على أن تبلغ المكانة السياحية التي تستحقها، خاصة وأنها تمتلك من المؤهلات ما يجعلها إحدى أبرز الوجهات الساحلية بولاية الشلف.

ولعل أول ما استوقفني هو ضعف التغطية بشبكات الهاتف النقال في عدد من أحياء المنطقة، بل وحتى في بعض المواقع القريبة من مركز القلتة. ومن غير المعقول أن تستقطب منطقة هذا العدد المتزايد من السياح، بينما لا يزال الاتصال الهاتفي وخدمة الإنترنت يشكلان معاناة يومية للزوار والسكان على حد سواء. فالخدمات الرقمية أصبحت اليوم جزءًا أساسيًا من التجربة السياحية، ولا تقل أهمية عن بقية المرافق.

ومن بين الملاحظات التي تستحق الوقوف عندها أيضًا مشكلة التزود بمياه الشرب، حيث يلجأ كثير من السكان والمصطافين إلى اقتناء المياه من أصحاب الصهاريج أو من بعض المنازل التي تحولت إلى نقاط بيع، بأسعار تفوق بكثير ما هو معمول به في مناطق أخرى. فقد يصل سعر المياه الصالحة للشرب بسعة عشرة لترات إلى ثلاثين دينارًا، وهو أمر لم أصادفه في وجهات سياحية أخرى زرتها، ويستدعي البحث عن حلول تضمن وفرة هذه المادة الحيوية بأسعار معقولة.

كما سجلت ضعفًا واضحًا في الخدمات البريدية والمالية، خاصة مع انعدام الموزع الآلي للنقود، وهو ما يضطر السكان والسياح، لا سيما خلال عطلات نهاية الأسبوع، إلى التنقل نحو بلديات مجاورة مثل المرسى وسيدي عبد الرحمن من أجل سحب أموالهم أو إنجاز أبسط المعاملات المالية. ومن الصعب الحديث عن سياحة عصرية في ظل هذا النقص.

أما من الجانب البيئي، فقد لاحظت أن النظافة تبقى من أبرز التحديات، سواء داخل بعض التجمعات السكنية أو على مستوى عدد من الشواطئ، وعلى رأسها الشاطئ المركزي، الذي يحتاج، من وجهة نظري، إلى عناية أكبر وجهود متواصلة للحفاظ على جماليته، لأن نظافة الشاطئ هي أول ما يلفت انتباه الزائر، وهي عنوان أي منطقة سياحية.

كما استوقفتني ظاهرة غياب الخبز المدعم في أغلب المخابز التي زرتها، حيث لم أتمكن طوال أسبوع كامل من اقتناء خبز بسعره القانوني، إذ يبدأ السعر غالبًا من خمسة عشر دينارًا. وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول دور أجهزة الرقابة ومصالح التجارة في متابعة مدى احترام القوانين المنظمة لهذا النشاط.

وفي المقابل، لا يسعني إلا أن أشيد بسلوك راقٍ لمسته داخل المخابز، يتمثل في الاحترام الكبير لنظام الطوابير. فعلى الرغم من الضغط الكبير الذي تعرفه هذه المرافق خلال موسم الاصطياف، إلا أن أغلب الزبائن يتحلون بالصبر والانضباط واحترام أدوار بعضهم البعض، وهو مشهد حضاري أتمنى أن يتكرر في مختلف مناطق الوطن.
ومن النقائص التي لمستها أيضًا الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي، خاصة خلال فترات الذروة، وهو ما ينعكس مباشرة على راحة المصطافين، ويحد من استفادتهم من أجهزة التكييف والتبريد، رغم ارتفاع تكاليف الإقامة خلال فصل الصيف.
كما لاحظت ندرة بعض المواد الاستهلاكية وارتفاع أسعار أخرى بشكل مبالغ فيه، إضافة إلى عرض بعض المنتجات، مثل المشروبات ومياه الشرب وبعض المواد الغذائية، في ظروف لا تراعي شروط الحفظ، حيث تبقى معروضة تحت أشعة الشمس وفي درجات حرارة مرتفعة، في مشهد يستدعي تكثيف الرقابة حمايةً لصحة المستهلك.
ومن النقاط التي لا يمكن تجاهلها أيضًا الارتفاع اللافت لأسعار الإيجار خلال موسم الاصطياف، إذ أصبحت في كثير من الأحيان تفوق أسعار الإقامة في بعض الوجهات الساحلية، بل وتتجاوز أحيانًا أسعارًا سجلتها شخصيًا في وجهات سياحية بتونس، وهو ما يجعل قضاء العطلة خارج متناول شريحة واسعة من العائلات.
أما فيما يتعلق بقطاع النقل، فقد لمست نقصًا واضحًا في وسائل النقل، خاصة خلال أيام العطل، وهو ما يجعل تنقل الزوار بين القلتة والبلديات المجاورة أمرًا صعبًا في كثير من الأحيان. ومن المعروف أن النقل يعد أحد أهم مقومات نجاح أي وجهة سياحية، لأنه يسهل حركة الزائر ويمنحه حرية التنقل والاستكشاف.
وفي الختام، أود أن أوضح أن ما كتبته لا يمثل إلا وجهة نظر شخصية انطلقت من تجربة عشتها بكل تفاصيلها. فمن عادتي أن أقول للمحسن: أحسنت، ولمن أخطأ: هناك ما يحتاج إلى تصويب. لذلك فإن الإشارة إلى هذه النقائص لا تحمل أي خلفيات أخرى، بل تنبع من محبتي للقلتة ورغبتي الصادقة في أن أراها في المكانة التي تستحقها.
فالقلتة تمتلك كل المقومات لتكون واحدة من أبرز الوجهات الساحلية والسياحية التابعة لبلدية المرسى بولاية الشلف، غير أن ذلك يظل مرهونًا بتكامل الأدوار بين السلطات المحلية، والمصالح المعنية، والمتعاملين الاقتصاديين والسياحيين، وسكان المنطقة أنفسهم، لأن نجاح السياحة مسؤولية جماعية، وحسن استقبال الزائر، والمحافظة على البيئة، وتحسين الخدمات، هي استثمارات حقيقية في مستقبل المنطقة.
وأغادر القلتة وأنا على يقين بأنني سأعود إليها مرة أخرى، ليس لأنها خالية من النقائص، بل لأنها تملك من الجمال والمقومات ما يجعلها تستحق أن تكون أفضل مما هي عليه اليوم.

By التحرير

محرر صحفي لدى ، موقع الجريدة الإلكترونية صوت الشلف . متابع للشأن المحلي والسياسي والقضايا الأمنية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *