هام

التشريعيات بين إرادة التغيير وفقه التغيير

A+
A-

خاضت الجزائر منذ استقلالها بدء من أول انتخابات تشريعية سنة 1977 ما يقارب عشر استحقاقات تشريعية اختلفت (نوعا ما) في شكلها بسبب تأثير الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية عليها واتفقت عموما في مضمونها وهي الصُورية في أدائها. فالسؤال الجوهري و المقاصدي الذي يُطرح: هل يُرجى من الانتخابات التشريعية (وغيرها من الانتخابات) التغيير الإيجابي للأوضاع في الجزائر؟  أم هو مجرد فلكلور وسراب سياسي هزلي يقصد به الهروب إلى الأمام؟

إجابة على هذا السؤال علينا أن نتفق ابتداء على بعض المسلمات ومنها؛ أنّه في العموم لا يشك أحد في الإرادة الصادقة والقوية في الذين أداروا دفة الحكم في الجزائر بعد استقلالها والذين كانوا على درجة رفيعة من المسؤولية والتضحية والوطنية والعطاء، ولكن مع هذا كله لماذا لم تغن هذه الإرادة لوحدها في النهوض بالجزائر ثقافيا واقتصاديا؟ والجواب أنّ ذلك التغيير (وإن كان مُفعما بالإرادة) لم يكن مصحوبا بفقه التغيير، فالإرادة والفقه في التغيير كجناحي طائر لا يغني أحدهما عن الآخر، ومن هنا جاء التنبيه المبكر من قبل شيخ الجزائر محمد البشير الإبراهيمي (رحمه الله)[1] بسنتين فقط بعد استقلال الجزائر في بيانه الشهير (16 أفريل 1964م) إلى الذين أخذوا زمام الحكم في الوطن قائلا :” إنّ وطننا يتدحرج نحو حربٍ أهلية طاحنة ويتخبط في أزمة روحية لا نظير لها، ويواجه مشاكل اقتصادية عسيرة الحل”، وهذا التشخيص للداء كان في زمانه مع ذلك الجيش من الرجال فماذا كان سيقول رحمه الله في زماننا؟

فالشيخ رحمه الله لم يشك في صدق إرادة أولائك الرجال ولكن نبّهَهُمْ عن حَيْدِهم المبكر لفقه التغيير وعن استبدالهم الذي هو أدنى بالذي هو خير قائلا ومُذكّرا :”ولكن المسؤولين – فيما يبدو – لا يدركون أن شعبنا يطمح قبل كل شيء إلى الوحدة والسلام والرفاهية، وأنّ الأسس النظرية التي يقيمون عليها أعمالهم، يجب أن تنبعث من صميم جذورنا العربية والإسلامية، لا من مذاهب أجنبية”[2]، ولكن وبكل أسف أُخرست الحكمة حينها ووضع الشيخ في الإقامة الجبرية وكان ما كان من فتنة طاحنة لا تزال أثرها إلى اليوم كما استشرفها رحمه الله.

ولكي نستطيع الحكم بإنصاف على هذه الاستحقاقات علينا أن نفحص الشق الثاني من العنوان المتعلق بفقه التغيير، مع التسليم النظري لصدق الإرادة لدى المترشحين. فمعلوم أن التغيير يقوم بأحد ثلاث مقتضيات، إمّا بمقتضى الهوى الذي أساسه الشهوة والـمِزاج أو بمقتضى العقل الذي أساسه الاجتهاد البشري المجرد أو بمقتضى الشرع الذي أساسه الشريعة والاجتهاد. والسؤال الذي يطرح هل هؤلاء الذين يَعِدُون النّاس بالخير في تجمعاتهم تكلموا عن التغيير بمقتضى الشرع ؟ فالجواب :لا  وإذا كان الجواب كذلك فالله عز وجل حكم وقال: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾[الرعد:11] . إذن التغيير إذا لم يكن بمقتضى الشرع ووِفقا لمراد الله وهذا (وبكل أسف) مما عليه قومُنا قديما وحديثا فإنّ مآل هذه الاستحقاقات في التغيير﴿جزاء وفاقا﴾[النبأ:26] ووفقا للسنن الشرعية والكونية سيكون حتما هو الفشل.

وها هي السلطة المنظمة للانتخابات هي الأخرى  تصرح بتصريحات مرسلة كقولها :”بأنّنا نريد أن نبني الديمقراطية “! ويا ليتها قالت :”نريد أن نبني الجزائر”، فهؤلاء بمقتضى عقلهم المجرد لا يفرقون بين الغاية والوسيلة وعندهم الدولة في خدمة الديمقراطية والصحيح أن الديمقراطية في خدمة الدولة، وعندهم الدولة في الخدمة السياسة والصحيح أن السياسة في خدمة الدولة، والدليل على ذلك ما قرره عقلاء الرأي وأرباب الديمقراطية في الغرب على غرار جون لويس[3] القائل  :”الديمقراطية ليست دولة وإنما هي فعل” وهذا ما صرح به الحزب الديمقراطي عبر كامالا هاريس (نائبة الرئيس بايدن) إبان فوزهم في الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة.

وها هو محمد مهاتير (رئيس وزراء ماليزيا السابق) الذي مارس الحكم لأكثر من 23 عاما عبر المسار الانتخابي النظيف يُعلّم الحكام قبل غيرهم في كيفية الاستفادة من الديمقراطية قائلا :”الديمقراطية تعتمد على دعم الشعب، وهي ليست نظاما سهلاً كما أنها ليست نظاما مثاليًا، وتوجد مشاكل في الديمقراطية مثلُها مثلُ أنظمة الحكم الأخرى، ومن الخطأ أن تتوقع من بلد ما إذا ما أصبح ديمقراطيا أن يتمتع حتما بالتطور والرخاء، لأنّه يجب أن تتعلم أولا كيفية الاستفادة من النظام الديمقراطي لتحقيق الاستقرار في الدولة وتحقيق السلام أيضا، وبعد ذلك تسهم في تطوير البلد…  “[4]. والسؤال :ما هو مصير قومِنا الذين يهرفون بما لا يعرفون واتخذوا الديمقراطية غاية وهم يجهلون مقاصدها وكيفية استعمالها؟، فأنّى لهم أن يستفيدوا من آلياتها؟ 

لم تظلم كلمة مثل ما ظلمت الديمقراطية في العهود الأخيرة، “فقد أصبحت أداة خداع في الحرب وفي السلم، جاءت الحرب فجندها الاستعمار في كتائبه، وجاء السلم فكانت سراباً بقيعة… ولقد كثر أدعياؤها ومدّعوها والداعون إليها، والمدّعي لها مغرور، والداعي إليها مأجور، والدعيُّ فيها لابس ثوب زور”[5]. فنقول لهؤلاء الذين لا يعرفون من الديمقراطية إلا اسمها ومن ممارستها إلا رسمها أن يبتعدوا عن هاجسها الذي قد يؤدي إلى الفوضى، فالديمقراطية مسلك ذو حدين، قال محمد مهاتير الذي أحسن مداعبة الديمقراطية وترويضها في خدمة بلاده :”إن هاجس الديموقراطية يمكن أن يقود إلى الفوضى”[6].

ورسالتي إلى الآخذين بزمام الأمور في الوطن بالعمل ثم العمل  بأولوية التغيير والإصلاح في المجال التربوي و الاقتصادي فهما أساسا النهضة والرفاه ، بل لا نهضة إلا من خلالهما، وهذا لا يخف على ذي لب، قال الشاعر قديما:

بالعلم والمال يبن الناس ملكهم *** لا يُبن ملكٌ على جهلٍ وإقلال

 فالديمقراطية لا تصلح في جوّ الإنهاك والمرض…و تصبح الديمقراطية مجرد إجراء صوري هزلي بالنسبة للعاطل عن العمل أو المريض أو الجاهل[7]، وهاجس الديمقراطية  يمكن أن يقود إلى الفوضى.

د.صالح الدين يوسف عزيز البسامي اختصاص سياسة شرعية جامعة مالايا وشيخ الزاوية الابراهيمية


[1] الإبراهيمي، أحمد طالب ، آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي (بيروت: دار الغرب الإسلامي، ط1،  1997م)  ، ج5، ص317.

[2] المصدر نفسه.

[3] جون لويس، عملاق الحقوق المدنية ورفيق مارتن لوثر كينغ، ( new york times ) ، 21 جويلية 2020. 

[4] محمد مهاتير، شاهد على العصر ، حلقة 14.

 [5] آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي، ج3، ص508. 

 [6] محمد مهاتير، مؤتمر صحفي (30 أكتوبر 2003).

[7]  هانس بيتر مارتين و هارالد شومان، فخ العولمة، ص 14.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *