هام

القدس : من هنا يأتي النصر ومن هنا تأتي الهزيمة

A+
A-

صلاح الدين وما أدراك ما صلاح الدين؟  كان صلاح الدين يتفقَّد أحوال جنده ليلاً، فإذا وجد خيمة بِها عددٌ من الجند يقرَؤون كتاب الله ويَقُومون الليل، قال لهم : “من هنا يأتي النصر”، وإذا مرَّ على أُخْرى، فوجدها نائمة، قال لهم :”من هنا تأتي الهزيمة”[1]. فصلاح الدين بعلمه وخبرته عَلّمنا ويُعلِم كلّ من هو في جبهة الصراع أنّ الغافل لا ينتصر وهو يُجاهد في سبيل الله فكيف ينتصر القاعد الغافل عن ذكر الله؟!

قال موشي ديان وزير الدفاع الصهيوني: “حقاً سيأتي يوم نخرج فيه من هذه الأرض، وهذه نبوءة نجد لها في كتبنا أصلاً، ولكن إذا قام فيكم شعب يعتز بتراثه، ويحترم دينه، ويقدر قِيَمه الحضارية، وإذا قام فينا شعب يرفض تراثه، ويتنكر لتاريخه، عندها تقوم لكم قائمة، وينتهي حكم إسرائيل”[2].

ها هو موشي ديان الذي صدقنا وهو كذوب يُذكّرنا (وهو يعلم أنّنا في مرحلة لا تنفع الذكرى معنا) بأنّ القدس قضية دينية  إسلامية وليست أبدا قضية وطنية أو عربية قومية فضلا على أن تكون سياسية، حررها عمر بن الخطاب وما هو بالفلسطيني ثم حررها صلاح الدين الكردي  وما هو بالعربي ولا الفلسطيني ، وحافظ عليها العثمانيون الأشاوس الأعاجم كوديعة دينية،  اغتصبت بعدهم غلابُا من كيان اصطناعي صنعته القوى الصليبية بمذاهبها الثلاث الكاثوليكية والبروتستنتية والأرثدوكسية (الروس والفرنسيس والإنجليز ثم الأمريكان بعد ذلك)  وبدوافع دينية ثم أناطوا بعد ذلك مصالحهم العليا وُجودا وعدمًا بإيجاد هذا الكيان الغاصب حتى قال أحدهم (لاحقا) :”لو لم تكن هناك إسرائيل لكان على الولايات المتحدة أن تخترع إسرائيل لحماية مصالحها في المنطقة”[3]، فالكيان الإسرائيلي ما هو إلا صناعة ومشروع القوى الصليبية المعاصرة بأبعاد دينية وجغرافية هَدفُه ضمان تغليب المصالح العليا الغربية في المجال الديني والثقافي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي وإفشال لأي محاولة للوحدة الإسلامية.

فمن الخبل والسفاهة أن نتصور أنّ القدس ستحرر بالمسالك السياسية فتلك “شنشنة نعرفها من أخزم” ، فالقدس لا ولن تحرر بالمقاومة أو الانتفاضة أو الثورة أو الحراك  فضلا عن المفاوضات والاتفاقيات فهذه مصطلحات أكثرها أيديولوجية يسارية وعلى أحسن الأحوال سياسية جُربت أكثرها منذ 1947 لم  ينال المسلمون من خلالها خيرا بل زادتهم تقسيما وهوانًا، فالقدس هي الامتحان الأكبر والمحنة العظمى للأمة الإسلامية حُكاما وشعوبًا. جاء في النبوءات النبوية أنّ القدس ستتحرر و لكن لا تتحرر إلا بالجهاد الشرعي  وبشروطه ، والجهاد الشرعي لا يكون إلا براية ولا راية إلا بدولة ولا دولة إلا بشوكة ولا شوكة إلا بنهضة ولا نهضة إلا بعدل، وأساس ذلك كله هو الإنسان الذي يُصدِّق هذا أو يكذبه، وبالمعنى المختصر: لا تحرير إلا بتغيير.

قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا﴾ [الاسراء: 5]
فأين نحن من قوله تعالى: (عبادا لنا)؟!

وقال صلى الله عليه وسلم:”لا تقومُ الساعةُ حتى يقاتلَ المسلمون اليهودَ، فيقتلُهم المسلمون، حتى يختبئ اليهوديُّ من وراءِ الحجرِ و الشجرِ، فيقولُ الحجرُ أو الشجرُ: يا مُسلمُ يا عبدَ اللهِ هذا يهوديٌّ خلفي، فتعالَ فاقْتلْه إلا الغرقد، فإنّه من شجرِ اليهودِ) (صحيح الجامع عن أبي هريرة)، فأين نحن من قوله عليه السلام :”يا مسلم يا عبد الله”؟! أمة (وبكل أسف) نست الله فنسيها، تائهة في مفترق الطريق لا تدر من أين تنطلق وكيف تنطلق، عَدُّوها يعرفُ منها ما تجهله هي بعدوها، حتى أضحت مسافة الوعي والعمل التي بينها وبين عدوِّها كبيرة وسحيقة.

ومما زاد الطين بلّة في قضية القدس في زماننا هو ذلك التنازل المشين من قبل حُكام المسلمين تحت مسمى “حلّ الدولتين” بحدود 1967م، وهو تطبيع غير متكافئ المصالح، مَنَحَت من خلاله السلطة الفلسطينية (وما كان عليها أن تفعل) جزء كبير من أراضيها إلى المغتصب الغاشم بسبب نقص بصيرتها ابتداء وتراجع مواقف جلّ الدول الإسلامية وخاصة العربية من جهة وبضغط المجتمع الدولي عليها من جهة أخرى، وكان الأولى (حتى في مرحلة الضعف) أن ترفض السلطة الفلسطينية هذا التنازل كما رفض من قبلُ السلطان عبد الحميد -رحمه الله- كلّ الاقتراحات اليهودية الـمُجانبة لمسوغات الشريعة ومن أبرزها المساومات المادية له لكي يتنازل لهم عن شيء من أراضي فلسطين والذي أبى فعل ذلك حتى في مراحل ضعفه عملا بقول القائل: “إذا لم تستطع فلا تتنازل ودع الأمر تاما كما وجدته فعسى أن يأت من يستطيع”. ثم إنّ هذه الدول العربية (مصر، الجزائر، الأردن…) التي تُدندن الآن بحل الدولتين والتي مفاده جزء من الأرض مقابل السلام لم ترض كل منها بهذه المقايضة السياسية مع من احتلها!!   

فحلّ الدولتين بحدود 1967م، هو تطبيع مُؤبد بمقتضى العقل وهو مسلك سياسي عقلي يناقض المقتضى الشرعي للمسألة الذي يبيح الصلح المؤقت أو المطلق بحسب ما تقتضيه المصلحة الشرعية وهو ذو عواقب ومآلات آمنة مصداقا لقوله تعالى : ﴿والعاقبة للمتقين﴾ [القصص:83]، أمّا التطبيع بمعنى الصلح المؤبد ويدخل فيه حلّ الدولتين بحدود 1967م فإنّه لا يحل شرعا لأنّه  يعد خيانة لله ولرسوله وللمؤمنين لما فيه من تسليم لجزء من أرض المسلمين وبغير مسوغ شرعي للمغتصب (الصهيوني)، والعواقب حتما ستؤول إلى الأسوأ ، قال تعالى :﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير﴾ [الشورى:30]، أما ما فعلته الكثير من الدول مؤخرا (الإمارات، البحرين والسودان…) في تطبيعها الـمُهين بمقتضى الهوى فحدث ولا حرج، قال تعالى: ﴿ومن يهن الله فما له من مكرم﴾ [الحج:18]. وعلينا أن نعلم أنّ واقع الأمة الإسلامية بعامة والعربي بخاصة لا يتغير و لا يتحرر من هوانه بالتطبيع… إلاّ إذا حرر نفسه من موجبات الهوان بتغيير نفسه أولا، قال تعالى: ﴿إنّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغييروا ما بأنفسهم﴾ [الرعد:11].وحينها ستتحقق نبوءة موشي ديان: “حقاً سيأتي يوم نخرج فيه من هذه الأرض، وهذه نبوءة نجد لها في كتبنا أصلاً، ولكن إذا قام فيكم شعب يعتز بتراثه، ويحترم دينه، ويقدر قِيَمه الحضارية”.

﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾[ البقرة: 286]

د.صالح الدين يوسف عزيز البسامي قسم السياسة الشرعية بجامعة مالايا وشيخ الزاوية الابراهيمية الجزائر.

[1] مجلة المجتمع، يونيو 2016

[2] عقيدة الولاء والبراء، اسماعيل المقدم، ج2، ص9.

[3] Joe Biden, Source (Senate Session, June 5, 1986).

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *