أنا أعتقد أنه بعد الذي جرى في خضم هذه العشرة أشهر الماضية النحسات والعجاف ، بسبب ما ألم بالأمة والبشرية جمعاء من آثار جائحة الكورونا وتبعاتها الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية ، حيث هز هذا الفيروس التاجي تيجان الملوك والأمراء وزحزح الكراسي من تحت المسؤولين والرؤساء، وأصبح شغلهم الشاغل الحفاظ على الحد الأدنى من الأمن الغذائي والمالي للشعوب لتبقى حية بدل العيش ، وأخلط أوراق حتى الأطباء والمختصين في علم الأوبئة تتضارب تصريحاتهم تارة وينسخ الخبر للآخر تارة أخرى، أما عن الإشاعات فحدث ولا حرج، مما جعل الإنسان البسيط يضع يده على خده حيرانا، ويضرب أخماس في أسداس، متسائلا أين الخلل وما هو الحل وأين الوجهة والمفر؟ بل وحتى كبرى مخابر الأدوية في العالم التي كانت تدعي العلم والمعرفة ، أضحت في حل من أمرها تدحض هذه الفرضية تلك النظرية، كما لخبط وشخبط على الخريطة الجغرافية لسكان المعمورة نموا وصحة وعافية ، تعدادا حياة وموتا.
وفي خضم هذه التباشير التي تأتينا من هنا وهناك حول صحة فرضية إيجاد لقاح لهذه الجائحة، حتى وإن كنا لا ندري مدى فعاليته من عدمه وآثاره السلبية من إيجابياته ، متأسفين ومتحسرين وبشدة، كيف لأمة ” إقرأ ” وأمة زهاء المليار بدولها ومدارسها وجامعاتها ومؤسساتها ومخابرها وجيوشها البيضاء منها والزرقاء ، ومقدراتها البشرية والمادية وحتى رقعتها التي لا تغيب عنها الشمس وبتاريخها العلمي المشرف ، تقف مشدوهة أمام هذا الوباء، مشدودة تترقب جريا شرقا وهرولة غربا، تتودد وتنتظر بشغف صعود مؤشر إستجابة الفيروس للترياق كل يوم بنسبة 0.5 بالمائة على الأقل في هذا المختبر أو ذاك، ونحن في كل 24 ساعة نحصي مصابينا ونعد موتانا.
أقول: لابد لنا من بعد هذه الحرب الضروس مع هذا الوباء الجني الخفي ، والذي سنخرج منه – إن شاء الله سالمين معافين – بحال أقل ما يقال عنه ” واقع تحت العناية المركزة “، نعقد حلقات المراجعات وجلسات إعادة الحسابات لحساباتنا الخاطئة واختياراتنا التي كنا نجزم متيقنين بأنها غير صائبة أو نحسبها غير ذلك، ولكنه التهاون والتواكل في شتى الميادين والمجالات، فهل آن الأوان لأن نقول ” شكرا كورونا ” لأنك نبهتينا و” حلبتينا ” – بمصطلح شباب اليوم – لواقع كنا نعده بالأمس حسن وليس أحسن، وهل آن الأوان لنشكر ” كوفيد 19 ” الذي أحيا فينا هذه الضمائر الحية للعمل جاهدا واستدراك الوضع تغييرا، قبل أن يحل علينا ” كوفيد 20 ” لا سمح الله، ونحن جاهزون تائبون آيبون ولحساباتنا مراجعون.
إن ما يسمى “فقه المراجعات” ليس حكرا على التغيير الجذري في عالم الأفكار والإيديولوجيات والجماعات ، ولا يقتصر الأمر في التوبة والأوبة على من ضلوا الطريق في غياهب السجون والكهوف والغابات والمؤلفات تطرفا وتشددا أو تعصبا، منحازين على جهتي كفتي الميزان انحرافا عن وسطية الإسلام السمح، سواء أكانت الكفة مائلة للدين أو ضد الدين فكل في الهوى سوا ، بل هو ضرورة حتمية يفرضها علينا واقع الأمة المرير والمعاش، في ظل هذه المعطيات المتعرجة والتي يجب أن نتعرج معها حتى لا ننكسر، إذا أردنا حقا نية وعملا أن نقيمه بالقسطاس المستقيم.
نعم … وألف نعم يكفينا سباتا ويكفينا نوما ودعة واستهتارا تسييرا وإدارة على جل الأصعدة والميادين، هرميا قمة وقاعدة، وتواصليا أفقيا وعموديا، وميدانيا علميا وعمليا، وآن الأوان أن نودع دائرة الراحة، لنخلد إلى العمل في دائرة النشاط مراجعين للحسابات والعمليات، لأن الأمر عظيم والخطب جلل، لعلنا ندرك ما فات ومواجهة ما هو آت.
مرة أخرى أنا أعتقد: بأن من أهم الخطوط العريضة التي يجب أن تتضمنها بنود خارطة طريق مراجعات ما بعد الكورونا، هو العمل على رفع مستوى الوعي لدى الجميع زرافات ووحدانا، للعلو من حد العلاقة التواصلية ثلاثية الأبعاد، بين العبد وربه في عقيدته وعبادته، وبين الخلق ونفسه في تزكيتها وتنقيتها، وبين ابن آدم وغيره من البشرية في أخلاقه وسلوكه ومعاملاته، على اعتبار أن هذا الوباء محنة من الله وهو وحده موفق الأسباب لرفعه، فلابد حينذاك من الامتثال لأمره فعلا وعملا وليس دعاء فحسب، وهنا يظهر جليا دور المؤسسة الدينية ممثلة في أئمة المساجد والسادة العلماء والمصلحين وحتى المؤسسة التعليمية والثقافية.
أما قسيمه الثاني، فهو الوعي المجتمعي الذي تتضافر من حوله كل الجهود، منبريا وإعلاميا ومدرسيا وثقافيا وأمنيا وقانونيا وجمعويا، في نشر ثقافة التعامل مع الأوبئة الخطيرة عبر بروتوكولات صحية مصورة ومسموعة، وإرشادات عملية وحملات توجيهات يقودها كل من موقعه في العالمين الحقيقي والافتراضي.
ومنها مراجعة منظومتنا التعليمية والتكوينية البحثية على المستويين القاعدي والتعليم العالي، حيث تساير البرامج والمناهج مع ما يحاك من حولنا من تحديات وفرص، وتعطى المدرسة والجامعة بمعلمها وأستاذها المكان اللائق بهما ماديا ومعنويا، كون التعليم مشروع استثمار في الفرد والأسرة ترعاه الدولة ويجني ثماره الجميع، بعيدا عن الصراعات الإيديولوجية والتجاذبات السياسية والنظرة الدونية للأسرة التعليمية، خاصة ونحن نرى بأن حل المعركة الخفية تجاه هذا الوباء الفتاك، يأخذ بزمام مبادرتها علماء وباحثون خريجو الجامعات ومن قبلها المدارس، وطلبة الدكاترة ومن قبلهم كانوا تلاميذ بين أيدي المعلمين.
ومنها مراجعة المنظومة الصحية بالرفع من كفاءة الأطباء تكوينا عمليا والمتخصصين منهم بحثا واستكشافا، وبناء مخابر بحث قوية بدراساتها ورجالاتها وميزانياتها، لأنها صمام الأمان الصحي، والتفكير مليا في تصنيع الأدوية محليا بدل انتظار ما يصلنا من وراء البحار، وبعثات التكوين على أعلى مستوى في سبل الوقاية من الأوبئة وطرق محاربتها، وكذا جاهزية مستشفياتنا في استيعاب مثل هكذا حالات.
ومنها مراجعة نواميس الإقتصاد وطرق تسيير قوت المواطن ترشيدا واستهلاكا والأمن الغذائي للمجتمع، هذا الاقتصاد الذي أصبح بمثابة كابوس يؤرق كاهل المسيرين والمسؤولين بفعل الركود المالي العالمي، نتيجة حتمية الجائحة التي قيدت الجميع برا وجوا وبحرا سفرا وسلعة، مما يعني التفكير العملي في البحث عن مصادر جديدة لملأ حقيبة الدخل القومي وما تتبعه من نفقات، خاصة بالنسبة للدول أحادية الدخل كحالنا مثلا مع البترول والغاز، وهنا يبرز دور المختصين في ترويض الأزمات الاقتصادية والتفكير خارج صندوق الريع المالي، الذي نتكل فيه على ما تجود به صنابير الأنابيب والناقلات وفقط، وتفعيل عصف الأذهان لجلب العملة تصديرا واستيرادا، موارد وصناعة وفلاحة وخدمات وغيرها، وكذا التسيير العقلاني لما بين الأيدي من خزينة المالية بعيدا عن التوزيع العشوائي للأموال من دون تخطيط واستشراف، وزيادة من هنا وتضخيم من هناك عبر تعويم للعملة، تحت مسمى أيقونة ” شراء السلم الاجتماعي “.
ومنها مراجعة ترسانة المنظومة القانونية والعدالة التي تسير بها البلاد ويسوس بها العباد، إذ من المقرر بأنه بعد حلول ومرور كل جائحة تبقى التبعات الاقتصادية السلبية والآثار الاجتماعية غير المرغوب فيها، ممثلة في بروز ظاهرة الآفات والانحراف وهي نتيجة عكسية لفقدان الكثير من مناصب عملهم وقوت يومهم، وعليه لابد من تكاتف جهود الدولة والشعب تكافليا وقانونيا ثم ردعيا، لكبح جماح تنامي مثل هكذا ظواهر ومظاهر، ولكن بسلاسة وبأسلوب سهل ممتنع، يترنح بين الشدة في غير عنف والليونة في غير ضعف.
هذا وفي الأخير نسأل الله التوفيق والسداد في النية والقول والعمل، كما ندعوه جل وعلا أن يرفع عنا هذا الوباء والبلاء ومعه الغلاء والغباء عاجلا غير آجل إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير.
بقلم الأستاذ: ربيع بن محمد ميسوم
كاتب وباحث في التنمية البشرية والتدريب والتطوير الشخصي

